فخر الدين الرازي
70
تفسير الرازي
الحيض وصفته بقوله : " دم الحيض هو الأسود المحتدم " فمتى كان الدم موصوفاً بهذه الصفة كان الحيض حاصلاً ، فيدخل تحت قوله تعالى : * ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) * وتحت قوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش : " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة " . الحجة الثانية : أنه تعالى قال في دم الحيض : * ( هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ) * ذكر وصف كونه أذى في معرض بيان العلة لوجوب الاعتزال ، وإنما كان أذى للرائحة المنكرة التي فيه ، واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه ، وإذا كان وجوب الاعتزال معللاً بهذه المعاني فعند حصول هذه المعاني وجب الاحتراز عملاً بالعلة المذكورة في كتاب الله تعالى على سبيل التصريح ، وعندي أن قول مالك قوي جداً ، أما الشافعي فاحتج على أبي حنيفة وجهين : الحجة الأولى : أنه وجد دم الحيض في اليوم بليلته وفي الزائد على العشرة بدليل أنه عليه السلام وصف دم الحيض بأنه أسود محتدم ، فإذا وجد ذلك فقد حصل الحيض ، فيدخل تحت عموم قوله تعالى : * ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) * تركنا العمل بهذا الدليل في الأقل من يوم وليلة ، وفي الأكثر من خمسة عشر يوماً بالاتفاق بيني وبين أبي حنيفة ، فوجب أن يبقى معمولاً به في هذه المدة . الحجة الثانية : للشافعي في جانب الزيادة ما روي أنه صلى الله عليه وسلم لما وصف النسوان بنقصان الدين ، فسر ذلك بأن قال : تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي ، وهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوماً ، لأن على هذا التقدير يكون الطهر أيضاً خمسة عشر يوماً فيكون الحيض نصف عمرها ، ولو كان الحيض أقل من ذلك لما وجدت امرأة لا تصلي نصف عمرها ، أجاب أبو بكر الرازي عنه من وجهين الأول : أن الشطر ليس هو النصف بل هو البعض والثاني : أنه لا يوجد في الدنيا امرأة تكون حائضاً نصف عمرها ، لأن ما مضى من عمرها قبل البلوغ هو من عمرها . والجواب عن الأول : أن الشطر هو النصف ، يقال : شطرت الشيء أي جعلته نصفين ، ويقال في المثل : أجلب جلباً لك شطره ، أي نصفه ، وعن الثاني أن قوله عليه السلام : " تمكث إحداهن شطر عمرها لا نصلي " إنما يتناول زمان هي تصلي فيه ، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ ، واحتج أبو بكر الرازي على قول أبي حنيفة من وجوه : الحجة الأولى : ما روى عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشر أيام " قال أبو بكر : فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد . الحجة الثانية : ما روى عن أنس بن مالك ، وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهما قالا الحيض